ما هو التحكيم الدولى | مقدمة عن التحكيم الدولى

مقدمة عن التحكيم الدولى
التحكيم هو بديل للقضاء الرسمى ، أى انه خصومة تنتهي بحكم تحكيمى حاسم غير قابل للطعن بأى مطعن ، فهو وسيلة قانونية اتفاقية خاصة لحل المنازعات التى تنشب بين الأطراف المتعاقدة فى المواد المدنية والتجارية ، فأختيار هذا الطريق لا يكون إلا بإرادة حرة سليمة تتضمن الاتفاق المسبق كتابة على رغبتهم فى اللجوء للتحكيم وإنهاء منازعاتهم بواسطة هذا النوع من القضاء ووفقا لأحكامه ، وقد يكون الاتفاق على التحكيم ضمنيا حين يقبل الأطراف الالتزام بشروط عقد نموذجى ويكون هذا النموذج متضمنا شرط التحكيم
وقد يكون صريحا جازما بالاتفاق على التحكيم بداءة ، أى منذ بدء التعاقد بموجب شرط أتفاق على التحكيم لحسم كافة المنازعات التى قد تنشأ عند تنفيذ العقد أو تفسيره أو أى منازعة مرتبطة به ، وهو ما يسمى ب( شرط التحكيم)
وقد يكون أيضا هذا الاتفاق عند حدوث المنازعة بالفعل فيتم الاتفاق حينئذ على إنهاء هذه المنازعة ( تحديدا ) بواسطة التحكيم اختصارا للوقت ومنعا للمشاحنات وتوفيرا للجهد والوقت والمال من خلال الاقتصاد فى النفقات الخ ، وهو ما يسمى حينئذ بــ ( مشارطة التحكيم)
وأهمية التحكيم بصفة عامة ولا سيما فى المعاملات التجارية وخاصة الدولية منها ، تتمثل فى أن طبيعة هذه المعاملات تتسم وتستوجب السرعة والثقة واليسر فى الإجراءات بل والسرية أيضا ، وهو ما يستوجب محاولات الوساطة والتوفيق بداءة وصولا للحسم السريع لمثل هذه المنازعات فى المعاملات التجارية باعتبارها أمر هام وجوهرى للطرفين حفاظا على خصوصية التعامل والمودة التى تجمع الطرفين ومحاولة تقريب وجهات النظر بالتفاهم المتبادل ، ولأن عنصر الوقت يكون مؤثرا جدا بالنسبة للتكلفة المادية وحجم دوران رأس المال ومن ثم تفادى تفاقم الخلاف والخصومة بالصلح وتقليل حجم الخسارة المتوقعة أو زيادة الربح المأمول بالحسم السريع للخلاف فى بدايته
فمثلا
إذا نشب نزاع عن مصادرة خطاب ضمان عن عملية تجارية وكانت قيمة هذا الخطاب ( 100000 دولار ) واستمر النزاع أمام القضاء قرابة الخمس سنوات وفى النهاية قضى للمدعى بأحقيته فى رد خطاب الضمان ، فإن هذا الحكم لا يجبر الخسائر التى لحقت بالمدعى والتكاليف التى تكبدها بالفعل فضلا عن الجهد والوقت الذى استغرقه النزاع مما تسبب فى تجميد هذه الرصيد وسريان الفوائد البنكية عليه طيلة هذه المدة واهتزاز الثقة والأحجام عن مباشرة مشروع تجارى آخر طيلة هذه الأمد الطويل ، فضلا عن المخاطرة بأحقيته فى كسب الدعوى أو خسارتها والتوتر العصبى الذى يعاصر الأطراف طوال فترة التقاضى ودرجاتها وطعونها ، ومن جهة أخرى فأن قيمة خطاب الضمان بالجنيه المصرى تكون قد زادت عدة أمثال من وقت نشوب المنازعة وحتى صدور الحكم بعد عدة سنوات
كما تبرز أهمية التحكيم فى المنازعات التجارية والدولية ، من أن أحكام التحكيم لا تقبل الطعن عليها بأيا من طرق الطعن المقررة للأحكام القضائية ( المعارضة – الاستئناف – النقض – الألتماس ) فهى أحكام واجبة النفاذ فورا وتحوز حجية الأمر المقضى به ، وتتميز خصومة التحكيم بإمكانية الاتفاق على المسائل الجوهرية والإجرائية الأساسية ، بينما لو أن المنازعة أمام القضاء العادى لأستغرق البت فى تحديد مثل هذه المسائل والإجراءات زمنا طويلا وجهدا ونفقات مادية باهظة ، بل أن هناك بعض الإجراءات مما لا يقبل التفاوض فيه أصلا أمام القضاء العادى ، فمثلا تحديد الأختصاص للقضاء المستعجل أم القضاء الموضوع أم القضاء الأدارى أم القضاء المدنى ، أو مواعيد الطعون أو تحديد الجلسات وأوقاتها ومكانها أو اللغة التى يتم بها التقاضى أو القانون الذى يطبق على موضوع المنازعة ، والتدخل فى اختيار القاضى الذى يفصل فى الدعوى ، كل مثل هذه الأمور مما لا يقبل أبدا التدخل فيها أو السيطرة عليها بواسطة أيا من أطراف النزاع أمام القضاء الرسمى ، بينما ذلك كله متاح تماما أمام القضاء التحكيمى ، إذ يمكن للخصوم الاتفاق على إنهاء كل مشاكلهم وخصوماتهم أمام قضاء التحكيم أو الاقتصار على جزء فقط منها ، كما يمكن إسناد ذلك الأختيار لأحد مراكز التحكيم المتخصصة ، وأختيار اللغة التى يتم التحكيم بها وترجمة جميع المستندات إليها ، والتى تتضمنها غالبا مستنداتهم وعقودهم ، كما يحق لهم أختيار مكان التحكيم ( التقاضى ) أيا كان هذا المكان وقد يكون مقر شركة أحد الطرفين أو بالتناوب بينهما أو مقر أحد مراكز التحكيم أو نادى أو قاعة مخصصة للاجتماعات ، ويمكن تأجيل الجلسات لعدة ساعات وكذلك عقدها فى أى وقت من الليل أو النهار حسبما يتلائم ذلك مع أطراف الخصومة ، وكل هذه الأمور وغيرها غير ممكنة وغير متاحة أمام القضاء العادى ، لأنه يحسمها قانون المرافعات وفقا لقواعد الأختصاص المحلى وقواعد الإسناد بالنسبة للقانون الدولى الخاص وهى أمور قد تكون محل نزاع فى حد ذاتها تستمر لعدة سنوات قبل أن ينظر موضوع الدعوى الأصلية ( موضوع النزاع ) ، فالقانون واجب التطبيق أمام القضاء هو القانون المصرى دون سواه ، بينما أمام قضاء التحكيم يمكن أختيار أى قانون محلى أو أجنبى يحكم النزاع ، ولتوضيح أهمية هذا الاختيار على سبيل المثال ومدى خطورته أن القانون الأنجليزى أو الأمريكى يقدر قيمة العنصر البشرى حال أصابته أو وفاته بملايين الدولارات ، بينما القانون المصرى يقدر التعويض عن ذات العنصر فقط بآلاف الجنيهات ، فإذا كانت المعاملة التجارية تعتمد على الأصل على العناصر البشرية لأحد الأطراف فأن من مصلحة هذا الطرف تطبيق القانون الأجنبى على نزاع التحكيم لتأمين وتعويض عناصره البشرية، بينما من مصلحة الطرف الآخر تطبيق أحكام القانون المصرى الذى لا يكلفه كثيرا عن تعويض ذات تلك العناصر
 
كما أن مقر ومكان المحكمة العادية قد يسبب حرجا كبيرا لبعض المستثمرين ، ومن شبهة أختلاطهم بالمتهمين أو المجرمين أو الزحام والأختلاط غير المرغوب ، ومن صعوبة متابعة دعاويهم مع وكلائهم من المحامين أثناء المرافعة ، بينما كل هذه الأمور يتم تلاشيها والترفع عنها أمام قضاء التحكيم ، من خلال أختيار مكان التحكيم الذى يناسب أطراف التحكيم من حيث الإمكانيات والرفاهية بأى مكان يتم الأتفاق عليه ، بل يمكن أن يتم بالتناوب بين موطنى المتنازعين ومن ثم أمكانية التواجد بصفة شخصية مع وكلائهم لتوضيح وجهات نظرهم التى يصعب نقلها عبر الآخرين ولأتخاذ القرارات الفورية والعاجلة التى قد لا يملك وكلائهم أتخاذها فى حينه بما يقرب وجهات النظر وييسر عملية التوفيق أو الوساطة والصلح بين الطرفين
كما انه فى قضاء التحكيم يجوز للأطراف ، بل يجب عليهم الأتفاق على أختيار هيئة التحكيم وعددها أو كيفية تعيينهم ، وكذلك ردهم إذا كان لذلك مبرر ، كما يختارون أيضا الإجراءات التى تتبع ويحددون أى قانون فى العالم هو الذى يطبق على منازعاتهم ، كما يحق لهم تحديد مدة معينة للفصل فى منازعاتهم بما لا يجاوز أقصى مدة قانونية لإنهاء خصومة التحكيم وهى ( 12 شهر ) و يتم عقد الجلسات فى أى وقت وفى أى ساعة وفى أى مكان برغبتهم
وبالمجمل التحكيم أختيارى بحت ، بمعنى أن يكون للأطراف حرية الألتجاء إليه من عدمه وتحديد كافة شروطه منذ بدايته ، ودون فرض أية قيود معينة مما ينص عليه القانون أمام محاكم القضاء الرسمى ، إلا فى نطاق ضيق جدا قاصر فقط على عدم مخالفة النظام العام أو المسائل الجوهرية فى الإجراءات مثل عدم المساس بحق الدفاع وعدم جواز التحكيم فيما لا يجوز الصلح فيه ، وأشتراط أن يكون عدد المحكمين ( وترا ) و أن يكون شرط التحكيم مكتوبا
 
ولكون التحكيم صورة من صور القضاء فأنه يحتاج إلى تنظيم دقيق لإجراءاته وتوفير المتمرسين لمباشرتها وتوفير ذوى الخبرة القانونية والمشهود لهم بالكفاءة والحيدة والنزاهة من المحكمين ، ومن ثم لزم وضع القواعد المنظمة لإجراءات التحكيم بصورة تفصيلية ومستقرة ومسبقا مع وجود قوائم بأسماء المحكمين ، ثم أخيرا وجود الجهاز الفنى الذى يتولى عن طرفى المنازعة متابعة تنفيذ هذه الإجراءات وحتى صدور قرار التحكيم وانتهاءا بتنفيذ الحكم بالقوة الجبرية ، وهو ما أستوجب وجود المؤسسات والمراكز المتخصصة فى التحكيم التجارى الدولى والمحلى لتأدية هذا الدور الحيوى والهام بمقراتها ومن خلال أنظمتها ولوائحها الداخلية وإمكانياتها المتعددة ، لتكتمل به منظومة التحكيم بما يحقق الهدف المرجو منه ، ومن ثم كان ( المركز الدولي للتحكيم ) من أوئل تلك المراكز الخاصة المتخصصة فى هذا المجال بجمهورية مصر العربية ، لتيسير وتنشيط وتفعيل أحكام قانون التحكيم المصرى
شركائنا